عندما نسأل: «من اخترع الإنترنت؟» نتوقع غالبًا اسمًا واحدًا وتاريخًا محددًا، لكن الحقيقة أكثر إثارة. فالإنترنت لم يُخترع بالطريقة التي يُخترع بها جهاز واحد، بل ظهر عندما اجتمعت عدة أفكار: ربط الحواسيب، وتبديل الحزم، والبروتوكولات المشتركة، وفكرة الشبكات المفتوحة التي تستطيع التواصل مع شبكات أخرى.
لماذا لا يوجد مخترع واحد للإنترنت؟
الإنترنت في جوهره شبكة من الشبكات. ولإنشائه احتاج الباحثون إلى عدة اختراقات: تخيل تواصل الحواسيب عبر المسافات، وإيجاد طريقة فعالة لنقل البيانات، وبناء شبكات تجريبية، ثم ابتكار قواعد مشتركة تسمح للشبكات المختلفة بالاتصال ببعضها. ولهذا فإن كل مرحلة حلت مشكلة مختلفة، ولا يمكن اختصار القصة في شخص واحد.
وتوضح الرواية التاريخية التي نشرها Internet Society وشارك في كتابتها عدد من رواد الإنترنت أن هذه التقنية نتجت عن عمل طويل اشتركت فيه الحكومات والجامعات والصناعة، ولذلك فإن عبارة «مخترع الإنترنت» تبسّط قصة امتدت لعقود.
ماذا قدّم J. C. R. Licklider لفكرة الإنترنت؟
في عام 1962 كتب ليكلايدر، الباحث في MIT، عن تصور لشبكة مترابطة يستطيع الناس من خلالها الوصول إلى المعلومات والبرامج من حواسيب بعيدة، وهي الفكرة التي عُرفت باسم قريب من «Galactic Network». ثم أصبح أول مدير لبرنامج أبحاث الحاسوب في ARPA. لم يبنِ الإنترنت بنفسه، لكنه ساهم في تشكيل رؤية مبكرة للحوسبة المتصلة وأثر في الباحثين الذين واصلوا العمل.
كيف ساهم Leonard Kleinrock في بناء الأساس النظري؟
نشر ليونارد كلاينروك أبحاثًا مبكرة عن شبكات الاتصال ونظرية الطوابير في الستينيات. وساعد عمله على إظهار أن الاتصال المعتمد على الحزم يمكن أن يكون فعالًا للحواسيب. وبعد ذلك قاد مركز قياس الشبكات في UCLA، الذي أصبح أول عقدة في ARPANET وموقعًا مهمًا لاختبار الشبكة الجديدة عمليًا.
ماذا أضاف Paul Baran وDonald Davies؟
طوّر بول باران في RAND ودونالد ديفيز في المختبر الفيزيائي الوطني البريطاني NPL أفكارًا متقاربة عن شبكات الحزم بصورة مستقلة. بحث باران في الاتصالات الموزعة، بينما طوّر ديفيز تبديل الحزم في NPL واستخدم مصطلح «Packet» لوصف وحدات البيانات.
يقسم تبديل الحزم المعلومات إلى أجزاء صغيرة تنتقل عبر الشبكة ثم يعاد تجميعها عند الوصول. وكان هذا الأسلوب أنسب بكثير لبيانات الحاسوب من الدوائر المخصصة في شبكات الهاتف التقليدية. وتوضح قصتهما لماذا لا يمكن ربط نشأة الإنترنت بمختبر أو دولة واحدة.
كيف حوّل Lawrence Roberts الفكرة إلى ARPANET؟
انضم لورانس روبرتس إلى ARPA ووضع خطة تطوير ARPANET، فساعد على تحويل النظرية إلى مشروع حقيقي يربط مؤسسات البحث. وفي عام 1968 تعاقدت ARPA مع شركة Bolt Beranek and Newman لبناء أجهزة Interface Message Processors. وفي 1969 بدأت أول أربع عقد في UCLA وStanford Research Institute وجامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا وجامعة يوتا.
لماذا كانت ARPANET مهمة لكنها لم تكن الإنترنت بعد؟
أثبتت ARPANET أن شبكات الحزم تستطيع ربط الحواسيب عبر مسافات بعيدة، لكنها ظلت شبكة واحدة. أما الإنترنت فاحتاج إلى خطوة أكبر: طريقة تسمح لشبكات مستقلة تستخدم تقنيات مختلفة بأن تتواصل مع بعضها. ولهذا كانت ARPANET أحد الأسلاف المباشرين للإنترنت وليست الإنترنت بشكله النهائي.
ماذا أضاف Robert Kahn وVint Cerf؟
في أوائل السبعينيات بدأ روبرت كان العمل على مشكلة ربط شبكات حزم مستقلة، وتعاون مع فينت سيرف في Stanford الذي كانت لديه خبرة ببروتوكولات ARPANET. ومن هذا التعاون ظهرت البنية التي تطورت لاحقًا إلى TCP/IP.
وفي عام 1974 نشر الاثنان بحثًا مؤثرًا بعنوان “A Protocol for Packet Network Intercommunication” وصف طريقة تسمح للشبكات المختلفة بتبادل البيانات. ثم فُصلت الوظائف لاحقًا إلى TCP وIP، لتصبح هذه البنية أساس الإنترنت الحديث.
لماذا يُطلق على Kahn وCerf أحيانًا لقب آباء الإنترنت؟
يحصل كان وسيرف على هذا اللقب لأن TCP/IP حل المشكلة التي تميز الإنترنت فعلًا: كيف تتبادل شبكات مستقلة البيانات كأنها نظام أكبر. وكانت مساهمتهما جوهرية، لكن وصفهما بالمخترعين الوحيدين يتجاهل العمل السابق الذي جعل هذا الإنجاز ممكنًا.
ماذا حدث في الأول من يناير 1983؟
في الأول من يناير 1983 أكملت ARPANET انتقالها من بروتوكول NCP القديم إلى TCP/IP. وتتعامل DARPA مع هذا التاريخ كمحطة رئيسية في ظهور الإنترنت، لأن الشبكات المختلفة أصبحت قادرة على استخدام مجموعة بروتوكولات مشتركة. ومع ذلك فإن الإنترنت تطور تدريجيًا قبل هذا اليوم واستمر في التطور بعده.
من الأشخاص الآخرين الذين ساعدوا في بناء الإنترنت؟
هناك أسماء كثيرة تستحق الذكر. ساهم Bob Taylor في دفع برنامج الشبكات داخل ARPA، وبنى Frank Heart وفريقه في BBN معدات مهمة للشبكة، وساعد Ray Tomlinson في جعل البريد الإلكتروني عبر الشبكات عمليًا، ولعب Jon Postel دورًا كبيرًا في معايير الإنترنت والعنونة، كما ساهم Peter Kirstein في توسيع الربط الدولي.
أما Tim Berners-Lee فقد اخترع لاحقًا الشبكة العنكبوتية العالمية World Wide Web التي جعلت استخدام الإنترنت أسهل كثيرًا لعامة الناس. لكنه اخترع الويب وليس الإنترنت نفسه، وهو فرق يختلط على كثيرين.
إذن من اخترع الإنترنت فعلًا؟
الإجابة الأدق هي أن الإنترنت لم يخترعه شخص واحد. لقد بُني على سلسلة من المساهمات، وكان كل رائد يحل جزءًا مختلفًا من المشكلة. ويمكن تشبيه قصته ببناء مدينة: شخص يخطط للطرق، وآخر يبني الجسور، وثالث يضع قواعد المرور، ثم يأتي كثيرون لتوسيع النظام.
وهذا الأصل التعاوني يفسر واحدة من أعظم نقاط قوة الإنترنت. فقد بُني حول معايير مشتركة تسمح لأجهزة وشبكات مختلفة بالتواصل. لم يصبح الإنترنت عالميًا لأن الجميع يستخدم الحاسوب نفسه، بل لأن الأنظمة المختلفة استطاعت الاتفاق على الطريقة التي تتحدث بها مع بعضها.