قبل أن يتحول الإنترنت إلى شبكة عالمية، ظهرت ARPANET: شبكة حاسوبية تجريبية موّلتها وكالة مشاريع الأبحاث المتقدمة الأمريكية. بدأت بعدد قليل جدًا من الحواسيب البحثية، لكنها أثبتت أن أجهزة متباعدة جغرافيًا تستطيع مشاركة الموارد وتبادل البيانات عبر تبديل الحزم. لم تكن ARPANET هي الإنترنت نفسه، لكنها أصبحت أحد أهم أسلافه المباشرين.
لماذا أُنشئت ARPANET؟
في الستينيات كانت الحواسيب القوية نادرة ومكلفة. وكانت الجامعات والمختبرات الحكومية تمتلك أجهزة وبرامج مختلفة، لكن الباحث لم يكن يستطيع بسهولة استخدام حاسوب بعيد كما لو كان موجودًا أمامه. لذلك دعمت ARPA أبحاث الحوسبة التفاعلية والشبكات بهدف تمكين مراكز الأبحاث من مشاركة موارد الحوسبة والمعلومات.
كما كشفت التجارب أن شبكة الهاتف التقليدية القائمة على تبديل الدوائر لم تكن مناسبة لطبيعة بيانات الحاسوب المتقطعة. فجاء تبديل الحزم كحل أكثر كفاءة لأنه يسمح لعدة مستخدمين بمشاركة خطوط الاتصال نفسها.
من حوّل الفكرة إلى شبكة تعمل فعليًا؟
طوّر Lawrence Roberts خطة ARPANET بعد انضمامه إلى ARPA في الستينيات، واستفاد تصميمه من أبحاث تبديل الحزم التي كانت تجري في أكثر من جهة في الولايات المتحدة وبريطانيا. وبحلول 1968 أصبحت الوكالة مستعدة لطلب عروض لبناء جهاز متخصص يسمى Interface Message Processor أو IMP.
فازت شركة Bolt Beranek and Newman المعروفة باسم BBN بالعقد، وقاد Frank Heart الفريق الذي بنى أجهزة IMP المستخدمة لربط الحواسيب الكبيرة بالشبكة.
ما هو جهاز IMP؟
يمكن اعتبار IMP أحد الأسلاف المبكرين لجهاز الراوتر الحديث. فبدل أن يتولى كل حاسوب مضيف عملية تمرير الحزم بنفسه، كان يتصل بجهاز IMP يتولى جانبًا كبيرًا من مهمة نقل البيانات داخل الشبكة.
وكان ذلك مهمًا لأن الجامعات المشاركة استخدمت أنواعًا مختلفة من الحواسيب وأنظمة التشغيل. وسمحت طبقة مشتركة لتبديل الحزم لأجهزة شديدة الاختلاف بالانضمام إلى شبكة واحدة.
أين كانت أول عقدة في ARPANET؟
رُكب أول جهاز IMP في UCLA في سبتمبر 1969. واختير مركز قياس الشبكات الذي يقوده Leonard Kleinrock ليكون العقدة الأولى بسبب أعماله في نظرية شبكات الحزم وتحليلها وقياس أدائها.
أما العقدة الثانية فكانت في Stanford Research Institute أو SRI، حيث كان فريق Douglas Engelbart يطوّر أنظمة متقدمة للحوسبة التفاعلية. وأصبح SRI أيضًا مهمًا في تنظيم معلومات الأجهزة ووثائق الشبكة المبكرة.
ما المواقع الأربعة التي شكّلت ARPANET الأولى؟
بحلول نهاية 1969 كانت أربعة مواقع متصلة: UCLA وStanford Research Institute وجامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا وجامعة يوتا. وما زالت DARPA تحدد هذه المؤسسات باعتبارها العقد الأربع الأصلية للشبكة.
ولم يكن الإنجاز في ربط أربعة حواسيب فقط، بل في إثبات أن أجهزة صُممت لأغراض بحثية مختلفة تستطيع المشاركة في بيئة اتصال واحدة.
ماذا حدث أثناء أول رسالة عبر ARPANET؟
في 29 أكتوبر 1969 حاول باحثون في UCLA تسجيل الدخول عن بُعد إلى حاسوب موجود في SRI. وكان الأمر المطلوب هو “LOGIN”، لكن النظام المستقبل تعطل بعد وصول أول حرفين، فأصبحت “LO” أول رسالة مسجلة عبر الاتصال الجديد. وبعد إعادة النظام إلى العمل نجح إرسال الأمر كاملًا.
أصبحت القصة مشهورة، لكن الإنجاز الحقيقي كان إنشاء نظام عملي تستطيع من خلاله الحواسيب البعيدة تبادل البيانات والخدمات بصورة مستمرة.
كيف عرفت حواسيب ARPANET طريقة التواصل؟
لا تحتاج الشبكة إلى خطوط اتصال فقط، بل إلى قواعد مشتركة أيضًا. وخلال السنوات الأولى طوّر الباحثون Network Control Protocol أو NCP. وبحلول أوائل السبعينيات سمح NCP للتطبيقات الموجودة على حواسيب ARPANET المختلفة بالتواصل مع بعضها.
فتح ذلك الباب أمام تسجيل الدخول عن بُعد ونقل الملفات ثم البريد الإلكتروني. لكن NCP صُمم أساسًا لشبكة واحدة، ولم يحل المشكلة الأكبر المتمثلة في ربط شبكات مستقلة متعددة ببعضها.
لماذا توسعت ARPANET بسرعة؟
بعد أن أثبتت العقد الأولى أن شبكات الحزم تعمل، بدأت جامعات ومختبرات ومؤسسات بحثية إضافية بالانضمام. وتحولت ARPANET تدريجيًا من تجربة تقنية إلى أداة يستخدمها الباحثون في أعمالهم.
وفي عام 1972 نظم Robert Kahn عرضًا عامًا كبيرًا للشبكة خلال International Computer Communication Conference، وأظهر أن شبكة الحزم تستطيع دعم عدة مستخدمين وتطبيقات عبر مواقع متعددة.
كيف غيّر البريد الإلكتروني ARPANET؟
أصبح البريد الإلكتروني أحد أهم تطبيقات الشبكة المبكرة. ففي عام 1972 طوّر Ray Tomlinson في BBN برنامجًا لإرسال الرسائل بين الحواسيب المتصلة، ثم أضاف Lawrence Roberts أدوات تساعد على إدارة الرسائل.
وهنا تغير معنى الشبكات نفسها. فقد أُنشئت ARPANET جزئيًا لمشاركة موارد الحوسبة، لكن البريد الإلكتروني كشف أن ربط البشر ببعضهم قد يكون أكثر قيمة من مجرد ربط الأجهزة.
لماذا لم تكن ARPANET هي الإنترنت بعد؟
كانت ARPANET شبكة واحدة تعتمد تبديل الحزم، بينما الإنترنت هو شبكة من الشبكات. ومع ظهور شبكات الراديو بالحزم والأقمار الصناعية وغيرها، احتاج الباحثون إلى طريقة تسمح للشبكات المستقلة بالاتصال من دون إعادة بنائها.
طوّر Robert Kahn وVint Cerf البنية التي أصبحت TCP/IP. وفي الأول من يناير 1983 أكملت ARPANET انتقالها من NCP إلى TCP/IP، وأصبحت جزءًا من بيئة أوسع لربط الشبكات.
متى انتهت ARPANET؟
استمرت ARPANET في العمل حتى بعد توسع شبكات أخرى حولها. وتسجل DARPA عام 1989 باعتباره عام انتهاء الشبكة، بعد أن أصبح الإنترنت الأكبر قادرًا على تجاوز دورها.
ولذلك كان إيقافها علامة نجاح أكثر من كونه فشلًا. فقد أثبتت التجربة التقنيات وأساليب العمل التي سمحت لنظام أكبر بكثير بأن يحل محلها.
لماذا ما زالت ARPANET مهمة اليوم؟
أثبتت ARPANET أن حواسيب مختلفة تستطيع مشاركة شبكة حزم واحدة، وأن الموارد البعيدة يمكن استخدامها بصورة تفاعلية، وأن المعايير التقنية تستطيع التطور من خلال التعاون المفتوح. كما ساعدت على تأسيس تقليد Requests for Comments أو RFC لتبادل الأفكار والمواصفات التقنية.
أصبحت الشبكات الحديثة أسرع بما لا يقارن، لكن كثيرًا من أفكار عصر ARPANET ما زال مألوفًا: تمرير الحزم، وأجهزة التوجيه، والبروتوكولات متعددة الطبقات، والخدمات البعيدة، والمعايير المفتوحة. أربع عقد بحثية فقط عام 1969 كانت كافية لإثبات فكرة ستصبح لاحقًا جزءًا من الحياة اليومية لمليارات البشر.